في عالم كرة القدم، هناك مباريات تُحسم بالمهارة، ومباريات تُحسم بالتكتيك، ولكن هناك مباريات نادرة تُحسم بـ "الروح" وقوة الإيمان بالانتصار. نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2005، الذي أقيم في ملعب "أتاتورك" الأولمبي بمدينة إسطنبول التركية، ليست مجرد مباراة كرة قدم، بل هو "معجزة" حقيقية تدرس في كيفية قلب الموازين وتحويل الهزيمة المذلة إلى نصر مؤزر
قبل الوصول إلى النهائي، لم يكن أحد يتوقع أن يذهب ليفربول بعيداً في البطولة. في ذلك الموسم (2004-2005)، كان ليفربول يعاني محلياً تحت قيادة مدربه الجديد آنذاك، الإسباني رافاييل بينيتيز، حيث أنهى الدوري الإنجليزي في المركز الخامس. ولكن في "الشامبيونز ليج"، كان للفريق وجه آخر؛ فقد أطاح بعمالقة مثل يوفنتوس الإيطالي في ربع النهائي، ثم تفوق على تشيلسي "مورينيو" في نصف نهائي دراماتيكي بفضل "هدف الأشباح" الشهير للويس غارسيا.
في المقابل، كان ميلان الإيطالي تحت قيادة كارلو أنشيلوتي يمتلك "منتخباً عالمياً" لا يُقهر، بأسماء مرعبة مثل: كاكا، شفتشينكو، سيدورف، بيرلو، ومالديني. كانت التوقعات تصب بنسبة 90% لصالح "الروسونيري
انطلقت المباراة بصدمة لم يتوقعها أكثر المتشائمين من جمهور "الريدز". في الدقيقة الأولى (الثانية 52 تحديداً)، سجل القائد الأسطوري باولو مالديني هدف التقدم لميلان من ركلة ركنية، ليصبح أكبر لاعب يسجل في نهائي البطولة وأسرعهم أيضاً.
استمر الضغط الإيطالي الكاسح، وبينما حاول ليفربول العودة، قاد النجم البرازيلي كاكا هجمة مرتدة نموذجية مررها لهرنان كريسبو الذي أودعها الشباك في الدقيقة 34. وقبل نهاية الشوط الأول بلحظات، وبلمسة فنية ساحرة من كاكا مجدداً، انفرد كريسبو بالمرمى وسجل الهدف الثالث ببراعة فوق الحارس دوديك. ذهب لاعبو ميلان إلى غرف الملابس وهم يبتسمون، بينما كان جمهور ليفربول يغني "لن تسير وحدك أبداً" بدموع الانكسار، ظانين أن ليلتهم قد انتهت بكارثة.
ما حدث في غرف ملابس ليفربول بين الشوطين يظل لغزاً، لكن يقال إن بينيتيز طالب لاعبيه باللعب من أجل "الكرامة" فقط. مع بداية الشوط الثاني، وتحديداً في الدقيقة 54، بدأت المعجزة:
الهدف الأول (د 54): عرضية من يارني ريسه ارتقى لها القائد ستيفن جيرارد، مسجلاً هدفاً أشعل به حماس زملائه والمدرجات.
الهدف الثاني (د 56): لم يكد ميلان يستفيق، حتى أطلق التشيكي فلاديمير سميتشر قذيفة بعيدة المدى سكنت شباك الحارس ديدا، لتصبح النتيجة (3-2). الجنون بدأ يسيطر على الملعب.
الهدف الثالث (د 60): في غضون لحظات، توغل جيرارد داخل المنطقة ليعرقل من قِبل غاتوزو. ركلة جزاء! تقدم لها تشابي ألونسو، تصدى لها ديدا لكن ألونسو تابعها في الشباك معلناً التعادل (3-3) وسط ذهول عالمي غير مسبوق.
في ظرف 6 دقائق فقط، تحول ميلان من "البطل المتوج" إلى فريق مرتعش يبحث عن استعادة توازنه.
ضل كارلو انشلوتي على مقاعد البدلاء مصدوم لا يعرف ماذا جرى وماالذي يفعله
رغم العودة، ظل ميلان خطيراً. وفي الأشواط الإضافية، وتحديداً في الدقيقة 117، قام الحارس جيرزي دوديك بتصدٍ وصف بأنه "تصدي القرن" أمام المهاجم الفتاك أندري شفتشينكو من مسافة قريبة جداً.
وصلت المباراة إلى ركلات الترجيح، وهنا استخدم دوديك "حرباً نفسية" عبر تحريك ساقيه بشكل غريب على خط المرمى (رقصة دوديك) لتشتيت لاعبي ميلان. أضاع بيرلو وسيرجينهو، وتصدى دوديك لركلة شفتشينكو الأخيرة، ليعلن ليفربول بطلاً لأوروبا للمرة الخامسة في تاريخه.
السؤال الاهم لماذا خسر ميلان وعاد ليفربول
تكتيكياً، يُحسب لرافاييل بينيتيز تبديله بين الشوطين بإدخال هامان، مما سمح لليفربول بالسيطرة على وسط الملعب وتحرير جيرارد هجومياً. أما ميلان، فقد وقع في فخ "الثقة المفرطة"؛ حيث ظن اللاعبون أن المباراة انتهت إكلينيكياً، وهو ما استغله ليفربول بالضغط العالي والمخاطرة الكاملة.
تظل مباراة ليفربول وميلان 2005 هي المرجع الأول لكل مدرب يريد بث الروح في لاعبيه المحبطين. لقد أثبتت أن كرة القدم ليست مجرد أرقام أو أسماء نجوم، بل هي لعبة تفاصيل صغيرة وإرادة حديدية. اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة، لا يزال عشاق "الريدز" يتغنون بهذه الليلة، مؤكدين أن من شجع ليفربول بسبب تلك المباراة، نال درساً في الحياة قبل الرياضة: "لا تستسلم أبداً، فالمعجزات تحدث لمن يؤمن بها وكما قال فارس عوض لا تغلق الصفحات حتى تقرأ السطر الاخير
تعليقات
إرسال تعليق